الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
" يخرصون " من الخرص ، وهو في الأصل بمعنى التخمين ، وأطلقت هذه الكلمة أولا على تخمين مقدار الفاكهة ، ثم أطلقت على الحدس والتخمين ، ولما كان الحدس والتخمين يخطئ أحيانا ولا يطابق الواقع ، فقد استعملت هذه الكلمة بمعنى الكذب أيضا ، و " يخرصون " في هذه الآية من هذا القبيل . وعلى أية حال ، فيظهر من آيات قرآنية عديدة بأن عبدة الأوثان كانوا يستدلون - مرارا - بمسألة المشيئة الإلهية من أجل توجيه خرافاتهم ، ومن جملة ذلك أنهم كانوا قد حرموا على أنفسهم أشياء وأحلوا أخرى ، ونسبوا ذلك إلى الله سبحانه ، كما جاء ذلك في الآية ( 148 ) من سورة الأنعام : سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ . وتكرر هذا المعنى في الآية ( 35 ) من سورة النحل أيضا : وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ . وقد كذبهم القرآن الكريم في ذيل آية سورة الأنعام ، حيث يقول : كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا ويصرح في ذيل آية سورة النحل : فهل على الرسل إلا البلاغ ؟ ! وفي ذيل الآية مورد البحث ينسبهم إلى التخمين والكذب كما رأينا ، وكلها ترجع في الحقيقة إلى أساس ومصدر واحد . وتشير الآية التالية إلى دليل آخر يمكن أن يكونوا قد استدلوا به ، فتقول : أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون ( 1 ) ؟ أي يجب على هؤلاء أن يتمسكوا بدليل العقل لإثبات هذا الادعاء ، أو بدليل النقل ، في حين لم يكن لهؤلاء دليل لا من العقل ولا من النقل ، فإن كل الأدلة العقلية تدعو إلى التوحيد ، وكذلك دعا كل
--> 1 - " أم " ) هنا متصلة ، وهي معطوفة على ( اشهدوا خلقهم ) ، والضمير في ( من قبله ) يعود إلى القرآن . وما احتمله البعض من أن ( أم ) هنا منقطعة ، أو أن الضمير يرجع إلى الرسول ، لا يتناسب كثيرا مع القرائن التي في الآية .